وهبة الزحيلي
140
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فِي آذانِهِمْ سدوا مسامعهم عن استماع الدعوة . وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ تغطوا بها لئلا يروني كراهة النظر إلي . والتعبير بصيغة الدعوة أو الطلب للمبالغة . وَأَصَرُّوا وأكبوا على الكفر والمعاصي . وَاسْتَكْبَرُوا عن الإيمان واتباعي . اسْتِكْباراً عظيما . جِهاراً بأعلى صوتي . أَعْلَنْتُ لَهُمْ صوتي . وَأَسْرَرْتُ الكلام ، أي دعوتهم مرة بعد أخرى ، وكرة بعد أولى ، على أي وجه أمكنني . وكلمة ثُمَّ لتفاوت الوجوه والتفنن في الأسلوب والدعوة . اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ اطلبوا المغفرة من الكفر أو الشرك ، بالتوبة من ذلك . إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً للتائبين . يُرْسِلِ السَّماءَ أي المطر ، وكان قد حبس اللّه عنهم المطر أربعين سنة ، وأعقم أرحام نسائهم ، فوعدهم بذلك على الاستغفار عما كانوا عليه ، ولذلك شرع الاستغفار في الاستسقاء . مِدْراراً غزيرا متتابعا كثير الدور . جَنَّاتٍ بساتين . ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لا تخافون أو لا تأملون . وَقاراً عظمة وإجلالا وتوقيرا ، والمعنى على قوله : « لا تأملون » : مالكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم اللّه إياكم في دار الثواب . وإنما عبر عن الاعتقاد بالرجاء المشتمل على أدنى الظن مبالغة . أَطْواراً جمع طور أي أحوالا وهيئات وعلى مراحل وأدوار في النمو والخلقة ، كأنه قال : ما لكم لا تؤمنون باللّه ، والحال هذه ، وهي حال موجبة للإيمان به ؟ ! خلقكم أولا من تراب ، ثم من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة ، ثم خلق العظام واللحم ، ثم أنشأكم خلقا آخر ، من طفولة ، فشباب ، فكهولة . أَ لَمْ تَرَوْا تنظروا . طِباقاً متطابقة ، بعضها فوق بعض . وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ أي في السماوات ، وهو في السماء الدنيا . وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً أي كالسراج وهو المصباح المضيء الذي يزيل ظلمة الليل عن وجه الأرض . وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً أي خلقكم وأنشأكم من الأرض إنشاء ، إذ خلق أباكم آدم منها ، فاستعير الإنبات للإنشاء ؛ لأنه أدل على الحدوث والتكون من الأرض ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها مقبورين . وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً بالبعث والحشر ، وأكده بالمصدر ، كما أكّد به قوله : أَنْبَتَكُمْ للدلالة على أن الإعادة محققة كالبدء ، وأنها تكون لا محالة . بِساطاً ممهدة منبسطة كالبساط ، تتقلبون عليها . فِجاجاً واسعة ، جمع فج . المناسبة : بعد أن أخبر اللّه تعالى عن إرسال نوح عليه السلام إلى قومه ، وامتثاله أمر ربه ، ذكر مناجاته لربه وشكواه إليه ، أنه دعاهم وأنذرهم ، فعصوه وتمردوا عليه ، بالرغم من تغيير أساليب الدعوة ، والوعد بإنزال الأمطار ، والإمداد بالأموال والبنين ، وتخصيص الجنات والأنهار ، وبالرغم من إقامة الأدلة على عظمة اللّه